حقيقة كما قال الرسول هكذا، فالمقام ليس بالأمر السهل جدًّا، يعني الأمر صعب ودقيق للغاية، وأي شيء تخشى من أن يقع أحد في محظور منه فإن بإمكانك أن تمسك عنه، وهذا هو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع تصرفاته إذا تأملتها، حتى الأمور العملية قد يؤجلها إذا خاف من فتنة أو من شر، مثلما أخر بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ؛ خوفًا من أن يكون فتنة لقريش الذين أسلموا حديثًا.
طالب: ما يحتمل أن المنبر اهتز من هز النبي صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: لا، بعيد هذا، هذا بعيد.
الطالب: (...).
الشيخ: بس هذا عادة منبر مُحكَم، لا، بعيد هذا. غير أن ابن عمر ذكره على أنه آية من آيات الله.
طالب: توحيد الربوبية (...) توحيد الأسماء والصفات (...).
الشيخ: (...) توحيد الأسماء والصفات من تمام توحيد الربوبية؛ لأن الرب لا يمكن أن يكون ربًّا إلا إذا كان كامل الصفات، الرب اللي ما له صفات ما هو رب، ولهذا قال إبراهيم لأبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢].
طالب: هل أصابع الله سبحانه وتعالى في يده؟
الشيخ: ما لنا أن نخوض في هذا، ولكن قوله: وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] يدل على أنها من يده؛ لأن اليمين هي اليد، وفي الحديث: «السَّماوَاتِ على إِصْبِعٍ» .
الطالب: والعدد يا شيخ، هل نقول بعدد؟
الشيخ: ما نقول؛ لأن هذه الأصابع الخمسة ما نعرف عاد هل أنها أكثر، إنما هي ما هي أقل مما ذُكر، ليست أقل مما ذُكر، ولا ندري (...). وهذا الحقيقة هذا من الأسئلة –الأخ قصده التعلم- هذا من الأسئلة التي ينبغي ألا ترِد ولا يُسأل عنها، لماذا؟ لأننا والله نعلم علم اليقين أن الصحابة أحرص منا على معرفة الله عز وجل، وعلى تعليمه، ولَّا لا؟ هل سألوا الرسول عن ذا؟ هل قالوا: يا رسول الله، له أكثر من الأصابع هذه ولَّا ما قالوه؟ ما قالوا هذا، إذن علينا أن نسكت؛ لأن شيئًا لم يرد بيانه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام معناه أن الواجب علينا أن نسكت عنه.
أحيانًا الصحابة ما يسألون لكن ينزل الوحي بشيء، أحيانًا الصحابة الذين حول الرسول عليه الصلاة والسلام ما يسألون ثم يجيب الله واحدًا من الأعراب بدويًّا يسأل حتى يتبين وحتى يتم الدين.
فالشيء الذي (...) أن نصيحتي أولًا نفسي ألا أقدِّر هذا في ذهني والثاني لكم، الشيء اللي ما ذُكر فيما يتعلق بالصفات هذا لا تبحث عنه؛ لأنه لو كان خيرًا لبُيِّن إما بالقرآن أو بالسنة أو بالسؤال من الصحابة، حتى يتبين.
فلو قال قائل مثلًا: هل تؤمنون بأن الله له أصابع أكثر مما ذُكر، ويش نقول؟
نقول: الله أعلم، لكن مع ذلك نقول: ما نبحث في هذا. أصلًا ما نسأل عنه.
مثل لو قال قائل: هل تؤمنون بأن الله له أذن لأنه يسمع، ويش نقول؟ الله أعلم، نتوقف، ما دام الكتاب والسنة والصحابة ما ذكروا ذلك نتوقف عنه، ونقول: ما لك تسأل.
طالب: أحد الناس يريد أن يورد حديث «مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ» فيقول للعوام مثلًا كلمة: كما نتكلم نحن الآن، هل يقع في تمثيل؟ لأنه ما يستوعبون ربما العوام «مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ».
الشيخ: يعني بأن يقول للعامة: مثلما أكلمك أنا أقولك: ويش فعلت في كذا وكذا.
الطالب: إي نعم يقع في محظور؟
الشيخ: ويش تقولون؟
طالب: ظاهر اللفظ.
الشيخ: تأملوها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أحيانًا يضرب المثل للتقريب: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ» ، ولما قال له أبو رَزِينٍ العُقَيْلِي، قاله: يا رسول الله، كيف الله يحاسبنا في ساعة واحدة وهو واحد ونحن جميع؟ قاله: ألا أخبرك بشيء يعني من آيات الله؟ هذا القمر واحد وكل منكم يراه مُخْلِيًا به ، ولَّا لا؟ كل الناس يرونه وهو واحد، نوره مثلًا على كل الناس ويراه كل الناس وهو واحد.
فهذه والله يعني إذا قلت: إن الله تعالى يتكلم مع الناس كلام حق، مثلما يتكلم الإنسان مع مخاطبيه، هذا الظاهر إن شاء الله ما فيه بأس (...)
طالب: (...) فمنهم من يستدل (...) إثبات العين، ما يقال فيهم أيضًا (...)؟
الشيخ: لا، هو العين ما أثبتناها بهذا، العين أثبتناها بأدلة أخرى.
الطالب: (...) لكن (...).
الشيخ: ما هو صريح.
***
(وفي رواية للبخاري: يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع. أخرجاه ). والحديث الأول:
يجعل السماوات على إصبع موافق لهذا،
والأرضين على إصبع وهنا قال:
(الماء والثرى على إصبع) هل ينافي الأول؟
طالب: (...).
الشيخ: لماذا؟ نشوف هل ينافيه ولَّا لا، الأول يقول:
الأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وهنا جمع
(الماء والثرى على إصبع). أجيبوا.
طالب: ممكن نجمع.
الشيخ: يعني ممكن نجمع كيف نقول؟ يمكن أن نقول: الماء والثرى على إصبع يعني الأرض كلها على إصبع، والمراد بالإصبع الجنس لا الوحدة، وإلا لتناقض مع الحديث الذي قبله؛ لأن الذي قبله يقول:
الشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، والمعروف أن النكرة إذا كُررت بلفظ النكرة فالثاني هو الأول ولَّا غيره؟ إذا كُرر الاسم منكَّرًا فالثاني غير الأول غالبًا، وإذا كُرر مُعرَّفًا فالثاني هو الأول غالبًا، ما هو دائمًا.
فهنا يقول:
الشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، والأرضين على إصبع أربعة، وهنا يقول:
(الماء والثرى على إصبع) فإما أن نقول: إن الماء والثرى كناية عن الأرض كلها، أو نقول: إن الماء والثرى على إصبع وسكت عن الباقي، إما اختصارًا وإما اقتصارًا.
قال:
(ولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا) مرفوعًا يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم
«يَطْوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟». وقد سبق معنى هذا، وأن المراد بالطي: الطي الحقيقي، كما قال الله تعالى:
يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [الأنبياء: ١٠٤]، و(طي) أصلها (طوي) أصلها، ولكن اجتمعت الواو والياء في كلمة، وسبقت إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياء وأُدغمت الياء بالياء، وهذه قاعدة معروفة صرفية؛ إذا اجتمعت الواو والياء في كلمة، وسبقت إحداهما بالسكون فإنها تُقلَب الواو ياءً، سواء تقدمت أو تأخرت، فـ(طي) تقدمت الواو، و(سيد) تقدمت الياء؛ لأن أصل سيد: سيود. وهذه القاعدة معروفة عند الصرفيين، ومر علينا في الألفية محتَرزات قولهم: (في كلمة)، يعني إذا كانت في كلمتين لم يدخلها إدغام.
يقول:
«يَطْوِي اللهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ» يقول ذلك ثناءً على نفسه سبحانه وتعالى، وتنبيهًا على عظمته. والملِك بكسر اللام: هو الذي جمع بين المُلك والتصرف الكامل، وهو السلطان، فهو مالك ذو سلطان.
وقوله:
«أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟» هذا الاستفهام للتحدي، يقول: أين الملوك الذين كانوا في الدنيا لهم السلطة والتجبر والتكبر على عباد الله. وهل يوجدون في ذلك الوقت؟ أبدًا، بل إن المتكبرين يوم القيامة يُحشَرون أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم
والعياذ بالله. فلا هناك جبار ولا متكبر، الكل سواء، والمُلك لله الواحد القهار.
«ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ السَّبْعَ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ» يطوي الأرضين: الأرضين هنا جمع مذكر سالم ولَّا ملحق بالجمع؟ ملحق بجمع المذكر السالم؛ لأنه ليس علمًا ولا صفة وليس بمذكر أيضًا، فهو ملحق بجمع المذكر السالم.
يقول:
«الْأَرَضِينَ السَّبْعَ» وقد أشار الله تعالى في القرآن إلى أن الأرضين سبع، ولم يرد العدد صريحًا في القرآن، لكن ورد صريحًا في صحيح السنة، في القرآن:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] والمماثلة هنا لا تصح إلا في العدد؛ لأن الكيفية متعذرة، فعلى هذا يكون مثلهن في العدد.
وأما السنة فصرحت في عدة أحاديث بأنها سبع.
«ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ»:
«يَأْخُذُهُنَّ» أي الأرضين السبع
«بِشِمَالِهِ» وكلمة (شمال) هنا اختلف فيها الرواة؛ فمنهم من أثبتها ومنهم من أسقطها. وقد حكموا على من أثبتها بالشذوذ؛ لأنه خالف ثقتين في روايته عن ابن عمر، والمعلوم أن مخالفة الواحد للثقتين تعتبر شاذةً. ومنهم من قال: إن ناقلها ثقة ولكنه قالها من تصرفه، يعني لأنه لما ذكر يأخذهن بيده اليمنى فالذهن يذهب إلى أن هناك يدًا يسرى؛ شمال. وأصل هذا التخطئة سواء قلنا: إنها شاذة أو قلنا: إنها من تصرفه: هو أنه ثبت في صحيح مسلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال:
«الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» ، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم أن كلتا يديه يمين، وهذا يقتضي أنه ليس هناك يد يمين ويد شمال.
ولكن إذا كانت هذه اللفظة محفوظة (بشماله) فإنها عندي لا تنافي
«كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» وإنما المعنى أن اليد الأخرى ليست كيد الشمال بالنسبة للمخلوق، ناقصة عن اليد اليمنى؛ لأن المعروف في أيدي المخلوقين أن اليسرى ناقصة عن اليد اليمنى، فقال:
«كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» يعني: ليس فيهما نقص.
ويؤيد هذا قوله في اللفظ الآخر في حديث آدم:
«اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ» ، فلما كان الوهم يذهب إلى أن إثبات الشمال يعني النقص في هذه اليد الأخرى، قال:
«كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ»، ويؤيد ذلك قوله:
«الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ» فإن المقصود من ذلك إثبات فضلهم ومرتبتهم وأنهم على يمين الرحمن سبحانه وتعالى.
وأيًّا كان فإن يدي الله سبحانه وتعالى اثنتان بلا شك، اثنتان، وكل واحدة غير الأخرى، هذه يد وهذه يد، ونحن إذا وصفنا اليد الأخرى بالشمال فليس المراد أننا نثبت أنها أضعف من اليد اليمنى، بل كلتا يديه يمين.
والواجب علينا نحو هذا أن نقول: إن كانت هذه ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن نؤمن بها، وإن لم تثبت فنقول: كلتا يديه يمين.
«ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟» . قوله:
«أَنَا الْمَلِكُ» جملة كما ترون مكونة من مبتدأ وخبر، وكلا جزأيها معرِفة، والمعروف عند علماء البلاغة أنه إذا كان المبتدأ والخبر كل منهما معرفة، فإن ذلك من طرق الحصر، فيقول:
«أَنَا الْمَلِكُ» يعني الذي لي الملكية المطلقة، لا ينازعه فيها أحد.
(وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) (رُوي) هذه بصيغة التمريض، فإذا كان الحديث ضعيفًا ساقه العلماء بهذه الصيغة
(أنه قال: ما السَّماواتُ السَّبْعُ والأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ ) فهنا فيه إثبات (
فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ)، ما هي الخردلة؟
الخردلة هي حبة صغيرة، حبة نبات صغيرة جدًّا، يُضرَب بها المثل في الصغر والقلة. وهذا يدل على عظمة الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى لا يحيط به أحد، ما دامت السماوات والأرض في كفه سبحانه وتعالى كخردلة في كف أحدكم فإن ذلك يدل على عظمته، والأمر أعظم من هذا التمثيل التقليدي، الأمر أعظم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأفهام، ولا يتصور أحد أن يدرك عظمة الله سبحانه وتعالى أبدًا.
(وقال ابن جرير: حدثني يونس، قال: أخبر ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ». قال: وقال أبو ذر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ» ).ابن جرير هو المفسر المشهور رحمه الله، وله تفسير يعتبر تفسيرًا أثريًّا، يعتمد فيه على الآثار، لكن آفته رحمه الله أنه لم يمحِّص هذه الآثار، وأتى بالصحيح والضعيف وما دون الضعيف أيضًا، وكأنه رحمه الله أراد أن يقيِّد هذا وجعل الحكم بالصحة والضعف موكولًا إلى القارئ، وربما أنه كان يريد أن يرجع إليه مرة ثانية ويمحصه ولكن لم يتيسر له ذلك. المهم أن هذا التفسير يعتبر إمام التفاسير الأثرية، لكنه مع ذلك فيه أشياء كثيرة ضعيفة، أو ربما تكون موضوعة، فهو رحمه الله يسوق السند وكأنه يقول: عذري بذلك أنني وضعت الواقع أمام القارئ وهو نفسه يبحث عن الرواة وعن أحوالهم.
ولهذا أنا أريد أن أكلف أحدًا منكم في بيان حال هؤلاء الرواة: يونس..
طالب: يونس مكتوب.
الشيخ: مكتوب عندكم؟ ويش يقول؟
الطالب: يقول: هو ابن عبد الأعلى أبو موسى الصدفي، ثقة، روى عن ابن عيينة وابن وهب وغيرهما، وعنه ابن خزيمة وخلق، مات سنة ٢٦٤، وله ٩٢ سنة.
الشيخ: طيب، هذا عرفناه، يقول: إنه ثقة، طيب. أبيه؟
الطالب: حدثني أبي، هو زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، أبو عبد الله أو أبو أسامة، المدني، عالم ثقة، مات سنة ١٣٦، وابنه عبد الرحمن يُضعَّف، روى عن أبيه وابن المنكدر وغيرهما، وعنه ابن وهب وعكرمة ومسروق وغيرهم، مات سنة ١٨٢. ورواه أيضًا بهذا الطريقِ واللفظِ أصبغُ بن فرج، وهو مرسل.
الشيخ: إذن هذا فيه ضعف الآن.
الطالب: عبد الرحمن ابنه.
الشيخ: وفيه انقطاع، الطريق الثاني فيه انقطاع.
الطالب: يقول: ثبت في المرفوع عن أبي ذر.
الشيخ: من قاله؟
الطالب: الأرنؤوط.
الشيخ: ويش يقول؟
الطالب: يقول: لقد ثبت في المرفوع عن أبي ذر الغفاري عند ابن جرير وابن أبي شيبة والبيهقي في الأسماء والصفات بلفظ:
«مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ».
الشيخ: هذا يمكن حديث أبي ذر، اللي تحته.
الطالب: هو قال: ابن جرير.
الشيخ: حديث أبي ذر غير هذا، يذكره عقب، عقب ذكره. المتن عندنا.
طالب: التعليق على نفس الحديث.
الشيخ: عجيب؛ لأن اللي عندنا
«مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ».
(...) في الحديث الثاني
(وقال أبو ذر رضي الله عنه) هذا معروف أنه محذوف السند، ولكن كما ذكر الأرنؤوط، يقول: إنه ثابت بعده ويحتاج إلى مراجعة.
(يقول: «مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ») وقد ذكر ابن القيم وغيره في كتبهم على أن السماوات السبع والأرضين السبع في الكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة. وهذا يدل أيضًا على عظمة الله عز وجل، فيكون مناسبًا تمامًا لتفسير الآية، وهي قوله تعالى:
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر: ٦٧] التي جعلها المؤلف ترجمة للباب.
(وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: بين السماء الدنيا والتي تليها خمس مئة عام): (ابن مسعود قال) إذن الحديث موقوف
( بين السماء الدنيا والتي تليها خمس مئة عام، وبين كل سماء وسماء خمس مئة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمس مئة عام، وبين الكرسي والماء خمس مئة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم)
. أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله. ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله.
قاله الحافظ الذهبي. قال: وله طرق).
هذا الحديث كما ترون موقوف على عبد الله بن مسعود، لكنه من الأشياء التي لا مجال للرأي فيها، والعلماء قالوا في المصطلح: إن الصحابي إذا روى حديثًا لا مجال للرأي فيه فهو في حكم المرفوع، إلا أن يكون الصحابي ممن عُرف بالأخذ عن الإسرائيليات، وابن مسعود لم يُعرَف بذلك، وعلى هذا فيكون حديثه له حكم الرفع.
ولننظر
(بين السماء الدنيا والتي تليها خمس مئة عام، وبين كل سماء وسماء خمس مئة عام) كم تكون الأعوام؟
طلبة: (...)
الشيخ: لا ما تأخذوا المسألة هكذا، بالحساب، سبعة من خمس مئة؟
طالب: ثلاثة آلاف وخمس مئة.
الشيخ: ثلاثة آلاف وخمس مئة سنة.
نقول: بين كل سماء وسماء، نشوف بين السماء الدنيا والتي تليها خمس مئة، والسماء الثانية والتي تليها خمس مئة، والثالثة والتي تليها خمس مئة، والرابعة والتي تليها خمس مئة، والخامس والتي تليها خمس مئة، والسادسة والتي تليها.
طلبة: ثلاثة آلاف.
الشيخ: ثلاثة آلاف، إي نعم،
(وبين السماء السابعة والكرسي خمس مئة) هذه ثلاثة آلاف وخمس مئة.
(وبين الكرسي والماء خمس مئة عام) هذه أربعة آلاف سنة.
طالب: (...).
الشيخ: في هذا الحديث ما ذُكر، لكن في حديث آخر
أن كِثَف كل سماء خمس مئة عام فيتضاعف العدد.
يقول:
(والعرش فوق الماء، والله فوق العرش) يعني مسافات عظيمة، وخمس مئة عام يعني مسافات متى تكون، هذه ما دام عددناها الآن أربعة آلاف عام، فإذا صح هذا الحديث فمعناه أن علو الله عز وجل بعيد جدًّا، أكثر يعني كثير جدًّا، لكن يرد على هذا ما يذكره المعاصرون اليوم، من أن هناك بيننا وبين بعض النجوم والمجرات كما يقولون مسافات عظيمة، ولا يقدِّرونها أيضا بالسير، يقدرونها بالسنين الضوئية.
فأنا أقول في الجواب على ذلك: إذا صحت الأحاديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام فإننا نضرب بما خالفها عرض الحائط، ولا نقبل كلامًا لأحد أبدًا إذا صح الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام. وإذا قُدِّر أننا رأينا الشيء بأعيينا، وأدركناه بحواسنا، ففي هذه الحال يجب أن نسلك أحد أمرين:
إما ألا نصحح الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام ونقول: فيه علة، وإما أن نجمع بينهما بأي طريق من وجوه الجمع، فإذا أمكن الجمع جمعنا، إذا لم يمكن ضعَّفنا الحديث؛ لأنه لا يمكن للأحاديث الصحيحة عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن تخالف شيئًا حسيًّا واقعًا أبدًا.
وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب العقل والنقل: لا يمكن للدليلين القطعيين أن يتعارضا أبدًا؛ لأن تعارضهما معناه إما رفع النقيضين، أو جمع النقيضين، وهذا شيء مستحيل، فإن ضُم التعارض بينهما فإما ألا يكون تعارض، ويكون خطأ من الفهم، وإما أن يكون أحدهما غير قطعي، فواحد قطعي والثاني ظني، وأما تعارض دليلين قطعيين فهذا شيء مستحيل. وصدق، فإذا جاء الأمر الواقع الذي نشاهده بأعيننا ولا عندنا فيه إشكال مخالفًا لظاهر شيء من الكتاب والسنَّة فإن ظاهر الكتاب يُؤَوَّل حتى يكون مطابقًا للواقع.
مثال ذلك:
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا [الفرقان: ٦١]، وقال نوح عليه الصلاة والسلام لقومه:
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا [نوح: ١٦] في السماوات؛
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا [نوح: ١٥، ١٦].
الآية هذه أشكل من الآيات الأولى، السبب لأن الآيات الأولى
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًايسهل جدًّا أن نقول: المراد بالسماء العلو، لكن هذه هي المشكلة:
فِيهِنَّفي السماوات، فإشكالها أعظم، والآن نحن نعلم حسب ما وقع وتواتر أن القمر ليس في السماء نفسها ذاتها، وإنما هو في فلك بين السماء والأرض، فماذا نصنع؟
نقول: الآية في القرآن، الدليل الشرعي في القرآن، والواقع واحد، لا يمكن أن نقول: إن القرآن غير صحيح، لكن يجب أن ننظر في الدلالة، هل يدل قطعًا على أن القمر في نفس السماء مُرَصَّعًا به كما يُرصَّع المسمار في الخشبة؟ إن كان يدل على ذلك قطعًا فقطعًا أن القمر اللي يقولون: وصلنا القمر ما هو قمر، إن هذا جرم في الجو ما يُدرَى عنه، لكن الآية ما هي صريحة، فآية الفرقان:
فِي السَّمَاءِ بُرُوجًانقول: المراد بالسماء العلو، مثل أنزل من السماء ماء وهو ينزل من السحاب، والسحاب بين السماء والأرض، كما ذكر الله تعالى، لكن
فِيهِنَّ نُورًا،
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّنقول أيضًا: ما هي صريحة؛ إذ يمكن فيها التأويل، ما هو التأويل؟ أي: في جهتهن، وإذا كان في جهتهن فما جهة السماوات؟ هي العلو، وحينئذ يمكن الجمع بين الآية وبين الواقع.
وعلى كل حال فلا يمكن أن يكون دليل قطعي الثبوت والدلالة معارضًا لأمر واقع قطعي الثبوت أبدا، كما قرره شيخ الإسلام رحمه الله.
نحن الآن نقول: هذا الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه، فإذا صح سنده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإننا لا نقبل تقديراتهم اللي يقولون: ملايين السنين الضوئية وما أدري أيش بعد، هذه ما نقبلها، وإن لم يصح فإننا إذا ثبت عندنا أيضًا، ما هو على كل حال نقبل كما يقولون؛ لأنها قد تكون مقاييس تخطئ، وقد تكون نظريات خاطئة أيضًا، فإذا صحت النظريات هذه فإننا إذا لم يصح عن الرسول عليه الصلاة والسلام نقول: هذا ضعيف؛ لأن من علامات الضعيف أن يكون مخالفًا للواقع، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في مصطلح الحديث.
وقوله:
(والعرش فوق الماء، والله فوق العرش) هذا نص واضح وصريح بإثبات علو الله تعالى علوًّا ذاتيًّا، وعلو الله تعالى علوًّا معنويًّا بمعنى علو الصفة هذا ما ينكره أحد ينتسب للإسلام، لكن علو الذات ينكره من ينكره من الناس المنتسبين للإسلام، ماذا يفسرون العلو؛ علو الذات؟ يقولون: ليس كل العلو الوارد المضاف إلى الله المراد به علو الصفة؛ يعني علو القدر، فيقولون مثلًا:
(والله فوق العرش) أي: فوقه في القوة والسيطرة والسلطان، وليس فوقه بالذات، ولا شك أن هذا تحريف. والذين أنكروا علو الله بذاته شوف كيف باطلهم أداهم إلى أبطل، انقسموا قسمين؛ قسم قالوا: إن الله بذاته في كل مكان، إن كنت في المسجد فالله في المسجد، في السوق الله في السوق، في الحُشِّ الله في الحش، وما أحسن ما قاله بعض الإخوة في هذا العام في الحج؛ اجتمع بواحد من الشيعة، ما أدري كيف جاء البحث، قالهم: إن الله استوى على العرش، قال: لا، يقولها الشيعي، قال: إن الله مَلَكَ العرش واستولى عليه، أما الله فهو في كل مكان، هذا الرجل فتح مخباة الشيعي قال: طيب أشوفه في مخباتك هذه. فخجل ذاك؛ لأن لازم في كل مكان أنه يكون حتى في المخباة، فخجل وعجز أن يجيب شيئًا.
والفريق الثاني اللي أنكروا العلو قالوا: إنه لا نقول: إن الله تعالى فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا متصل بالخلق، ولا منفصل عن الخلق. ويش صار؟ إنكارًا محضًا، ولهذا قال بعض العلماء: لو قال قائل: صفوا لنا العدم ما وجدنا أفضل من هذا الوصف، فالعدم هو الذي ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، هذا العدم، ففروا والعياذ بالله من شيء دلت عليه النصوص والعقول والفطر، إلى شيء تبطله النصوص والعقول والفطر. نسأل الله العافية.
طالب: الشمال ما يتفرد بها عمر بن حمزة وهو ضعيف، وقد يكون منكرًا؟ وقد (...) الإمام البيهقي.
الشيخ: والله فيه من قدح وفيه من وثقه.
الطالب: لا أقصد أن عمر بن حمزة ضعيف لكن أقصد الرواية هذه إذن يكون مسلم أيضا قُدح فيها من المتقدمين يعني.
الشيخ: والله مثلما قلتم، إذا ثبت القدح فالأمر ظاهر. يعني ما تُثبَت ولا يجوز إثباتها، وإذا لم يثبت فيمكن أن يقال: إن الرسول قال:
«كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» ؛ لئلا يتوهم واهم أنه إذا كان له شمال فالشمال ناقصة.
طالب: (...) التغاير (...).
الشيخ: نعم، صح، الأخرى، إذا قال: بيده الأخرى صارت هذه ولا غيرها؟
طالب: (...)
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا [نوح: ١٦] ولَّا ممكن أن نؤول نقول: في جهتهن، هذا وارد في اللغة أو تأويل (...)؟
الشيخ: لا تأويل اضطررنا إليه؛ لأن الواقع الآن الواقع أنهم وصلوا إلى القمر، لو كان القمر في نفس السماوات ما وصلوا إليه قطعًا، إذا كان محمد عليه الصلاة والسلام وهو أفضل الرسل مع جبريل وهو أفضل الملائكة ما دخل للسماء إلا بعد الاستئذان، والله عز وجل يقول:
وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا [الأنبياء: ٣٢] ما يمكن هؤلاء أن يخترقوا السماء لو كان القمر فيه.
الطالب: شيخ، كيف ترد على اللي يقولون: يا أهل السنة، أنتم تنكرون علينا التأويل، وفي مثل هذه الأمور المستعصية تؤولون؟
الشيخ: لا، نحن ما ننكر التأويل اللي يدل عليه الدليل أبدًا، إذا دل الدليل على هذا ما ننكره، لكن ننكر التأويل الذي لا دليل عليه.
طالب: لو قال قائل يا شيخ مثلًا:
«كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» نحن صرفنا اللفظ عن ظاهره (...)
«كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» صرفنا اللفظ عن ظاهر النص أن كلا يديه يمين؟
الشيخ: نعم، صحيح؛ لأنه لأجل هذا الحديث أقول: إذا صح فيمكن أن الرسول قال:
«كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» من أجل هذا.
ثم إن حديث
«الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ» ، ويش معنى هذا؟
الطالب: إذا تعارض ظاهر الحديثين، في الصفة الظاهرة متعارضان، هل معنى ذلك أنه يمكن الجمع بين الصفة (...) مثل هذا الحديث.
الشيخ: مثل هذا الحديث نقول: وصف اليد بالشمال، أي أنها في غير اليمين، وصفها هذا إذا قلنا: إن كلتا اليدين يمين، ما فيها نقص عن الأخرى، ما صار فيه نقص لله عز وجل.
الطالب: يمكن نجري هذا كله على جميع الحديث مثلا..
الشيخ: ما نقدر نأخذ قاعدة في هذا، لكن كل نص يُنظَر فيه بذاته.
طالب: السماء الثانية أليست ظرفًا للأولى؛ السماء الدنيا؟
الشيخ: كل سماء ظرف للأخرى.
الطالب: إذن لا إشكال (...) القمر أنه يكون في السماء الدنيا والباقي (...).
الشيخ: يعني يكون تحت السماء الدنيا.
الطالب: ما أدري، كما أن الإنسان يكون في المسجد ويكون في عنيزة.
الشيخ: مشكلة، معناه أن إحنا الآن في السماوات.
الطالب: لكن أليست كروية؟
الشيخ: بلى، كروية، لكن بس ما أظن أن هذا يعني يُستساغ في اللغة، وإلا حقيقة أن السماوات محيطة بالأرض، لكن مشكلة هذه.
أنا أرى أنه في جهتين ما فيه إشكال.
طالب: شيخ، قوله:
خمس مئة عام هذه بماذا تُقدَّر؟ هل هي مسيرة الراكب العادي أو السريع، يعني خمس مئة عام من أي شيء؟
الشيخ: إي نعم، خمس مئة عام صحيح، هذه تُقدر بما يعرفه الناس في ذلك الوقت، مثل قول الرسول:
«لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَ يَوْمًا وَلَيْلَةً» ، وما أشبهَ ذلك، يعني باعتبار السير في وقتهم.
الطالب: يعني للسائر العادي؟
الشيخ: هم يقيسون هذه بسير الإبل المحمَّلة ذات الأحمال، يقيسون بهذا.
طالب: كيف إذا شيء محسوس ورد الآن في (...) ناقض حديثًا صحيحًا، هل نضعف الحديث؟
الشيخ: إي.
الطالب: كيف نضعفه يا شيخ وظاهره صحيح؟
الشيخ: لأنه هو قاله الرسول لنا نحن ما ضعفناه أبدًا، وكذبنا أبصارنا وشهدنا للرسول بالصدق، لكن بيننا وبين الرسول رجال.
الطالب: فضيلة الشيخ، هذه قواعد مقررة في المصطلح..
الشيخ: مقررة في المصطلح سيأتينا إن شاء الله في المصطلح من علامة الوضع أن يكذبه العقل أو الحس، حتى لو جاء بأعلى سند.
الطالب: ما نقول يا شيخ: آمنت بما قال الرسول وكذبت ..
الشيخ: ما تقدر تكذب شيئًا محسوسًا وتشوفه بعينك.
الطالب: الآن يا شيخ اللي علماء الفلك يقررونه الشمس ثابتة، ولكن الله تعالى يقول: لا الشمس تجري.
الشيخ: لا، هذي غير ذي، هذي بارك الله فيك غير هذي، أولًا أنهم ما يقررون أن الشمس ثابتة، يقولون: الشمس لها جريان بعدُ وجريان بسرعة عظيمة، إحنا قرأنا هذا في كلام العصريين المتأخرين، لكن يقولون: ما بهي التي تدور على الأرض ويحصل فيه الليل والنهار، يقولون: إن الليل والنهار يحصل بدوران الأرض حول الشمس، وإن الشمس لها دورة وإنها تجري، ما ينكرون هذا، لكن مع ذلك هل هذا شيء محسوس؟ ما هو بشيء محسوس، هذا الشيء عندهم تقديراتهم ولا أدري هل هو صحيح ولَّا لا.
أما مسألة القمر ما فيه شك شيء محسوس، شُوهد هؤلاء القوم وهم في نفس القمر.
طالب: بالنسبة على، إذا قال قائل في صفة الشمال بالنسبة لليد، في قوله:
«وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» على أنها مأخوذة من اليمن والسهولة (...)؟
الشيخ: إي نعم، (...) هو هكذا نحن قلنا، قلنا: إذا كانت اللفظة محفوظة؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:
«كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ»؛ لئلا يتوهم واهم أنه إذا كانت اليد شمالًا ففيها نقص، فقال:
«كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ»، وأن هذا يؤيد حديث آدم
: «اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي، وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ» .
طالب: في حديث ابن مسعود بالألفاظ المذكورة ما بين كل سماء والتي تليها، بس ما ذكر المسافة بين السماء الدنيا والأرض.
الشيخ: المعروف أنها خمس مئة عام أيضًا.
الطالب: المعروف في الحديث ولَّا في..
الشيخ: لا عند السلف. وحديث ابن مسعود أيضًا فيه رواية أخرى عنه أنه قال:
كِثَف كل سماء خمس مئة عام . وهذا أيضًا بعض العلماء نزَّل عليه قول الله تعالى:
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ [السجدة: ٥] قال مثلًا: إذا كان بين الأرض والسماء خمس مئة عام هذا نزول، ثم صعود تكون ألفًا، بعض العلماء أخذ من الآية هذا.
طالب: أقول: خمسين ألفًا.
(...)
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُطلبة: خمسين ألف سنة.
الشيخ: لا
أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [السجدة: ٥]، هذه في سورة التنزيل، أما هذاك خمسين ألف سنة هذاك يوم القيامة، أما اليوم الذي يُدبَّر فيه الأمر فهذا ألف.
طالب: (...) المنقول يخالف المعقول هل نقدم العقل على النقل؟
الشيخ: بس ما هو عقله.
الطالب: (...) النقل، الآن نقدم النقل على العقل.
الشيخ: المدرَك بالحس ما يمكن يعارض النقل الصحيح أبدًا، ولهذا عند شيخ الإسلام كتاب اسمه
موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، واسم آخر:
درء تعارض العقل والنقل، ما يمكن يكون عقل صريح يخالف نقلًا صحيحًا أبدًا، فإما أن يكون العقل غير صريح، وإما أن يكون النقل غير صحيح.
***
(وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) يقال: عباس ويقال: العباس، و(أل) هذه لا تفيد التعريف؛ لأن عباسًا معرفة علَم، لكنها تقال لِلَمْحِ الأصل، يعني معناه للتلميح إلى الأصل، كما تقول: الفضل للتلميح إلى فضله، والعباس كذلك، إلى عبوسه على الأعداء وما أشبه هذا.
وقد أشار إلى هذا ابن مالك في الألفية، ويش قال:
| وَبَعْضُ الأَعْلامِ عَليهِ دَخَلَا | لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا |
(العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟»). و(هل) هذه للاستفهام الذي يراد به أمران: التشويق والتنبيه؛ كقوله تعالى:
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية: ١] هذا تنبيه وتشويق على شيء من آيات الله الكونية،
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الصف: ١٠] هذا أيضا تنبيه وتشويق على آيات شرعية، والإيمان والعمل الصالح.
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [الكهف: ١٠٣] هذا تنبيه وتحذير.
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ [المائدة: ٦٠] كذلك تشويق والتحذير في آن واحد.
فهنا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام:
«هَلْ تَدْرُونَ» تنبيهًا لهم، وتشويقًا إلى ما سيلقيه عليهم
«كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟» كم هنا استفهامية، يعني كم مسافة بينهما.
(قلنا: الله ورسوله أعلم) وإنما قيل:
(الله ورسوله) لأن علم الرسول من علم الله، فهو الذي يُعْلِمه عن هذه الأمور التي لا يدركها البشر، فلهذا جاز أن يؤتى بالواو
(الله ورسوله أعلم)، كذلك في المسائل الشرعية يقال: الله ورسوله أعلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالمسائل الشرعية.
وليس هذا كقوله:
ما شاء الله وشئتَ ؛ لأن هناك في باب القدرة والمشيئة ولا يمكن أن يُجعَل الرسول عليه الصلاة والسلام مشاركًا لله.
(قلنا: الله ورسوله أعلم) طيب لو أنه وُجه لنا سؤال الآن عن شيء ما هل نقول: الله ورسوله أعلم؟
فيه تفصيل؛ إن كان في الأمور الشرعية فالله ورسوله أعلم لا شك، وإن كان في الأمور الكونية فلا نقول: الله ورسوله أعلم.
لو قلت: هل سيقدَم غدًا زيد؟ تقول: الله أعلم، ما تقوله: ورسوله.
ولو قلت: هل هذا حلال؟ الله ورسوله أعلم.
ومن هنا نعرف خطأ وجهل من يكتبون على بعض الأعمال:
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة: ١٠٥] طيب الله يرى صح، لكن رسوله يرى؟
طالب: لا.
الشيخ: إذا بنينا قصرًا أو ما أشبه ذلك، أو مشروعًا من المشاريع، وكتبنا عليه:
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة: ١٠٥] هذا الرسول جاء لهذا وشاف؟ رأى؟
طالب: لا.
الشيخ: هذا كذب صريح، إلا على رأي من يقولون: إن حضرة النبي عليه الصلاة والسلام تأتي ويحضر كالخرافيين، فهذا شيء ثانٍ. لكن الذين كتبوها لا يريدون هذا إطلاقًا، وهم أبعد الناس عن الخرافة، لكن يريدون أن يتزينوا بأمر ليس زَينًا بالنسبة لما كتبوه عليه.
ثم هذه الآية نزلت في مَن؟
في المنافقين
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [التوبة: ١٠٥] آيتين
وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [التوبة: ٩٤].
المهم أن هذا لا يجوز كتابته؛ لأنه كذب على الرسول عليه الصلاة والسلام، ما رأى.
(قال: «بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ») (خمس مائة) مكتوبة بالألف، ولكنها الميم مكسورة، فالألف هذه كالعماد فقط، والفرق بين الهمزة والتاء، وإلا ما يُنطَق بها، ولا تُفتح الهمزة من أجلها. ويخطئ كثير من القراء حيث يقولون: (عندي مَأَة شاة)، وبعضهم يقول: (عندي مَاءَة) بعد أكثر من هذا. وفي القرآن كلنا نقرأ:
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ [الكهف: ٢٥] ولَّا تقولون: ولبثوا في كهفهم ثلاث مَائة؟ مِئة، مع أنها مكتوبة على العماد.
قال:
«وَكِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْعَرْشِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ» كم؟ خمس مئة سنة («وَاللهُ تَعَالَى فَوْقَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ
).
وهذا دليل على العلو العظيم لله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى فوق كل شيء، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته أبدًا، لا السماوات ولا غيرها.
وعلى هذا فإن الله تعالى لا يُوصَف بأنه في جهة تحيط به؛ لأن ما فوق السماوات والعرش عدم، ما فيه شيء حتى يقال: إن الله تعالى قد أحاط به شيء من مخلوقاته، وإن إثبات الجهة لله ممنوع.
ولهذا تجدون في كتب بعض أهل الكلام يقولون: إن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه في جهة مطلقًا، وينكرون العلو؛ ظنًّا منهم أن إثبات الجهة يستلزم الحصر، وليس كذلك؛ لأننا نعلم أن ما فوق العرش عدم، ما فيه شيء، ما فيه مخلوقات، فوق العرش ما فيه مخلوقات، ما ثَم إلا الله عز وجل، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته أبدًا.
وحينئذ لو سئلتَ: هل تثبت لله الجهة؟ ففيه تفصيل؛ أولًا أقول: إن إطلاق لفظها نفيًا أو إثباتًا فلا أقول به، ما أقول به، ليش؟ ما وردت، ما ورد أن الله في جهة ولا أنه ليس في جهة، ولكن عند التفصيل لا بد أن أقول: إن الله تعالى في جهة العلو لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للجارية:
«أَيْنَ اللهُ» و(أين) يُستفهم بها عن الجهة، عن المكان، فقالت: في السماء. فأثبتت ذلك، فقال:
«أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» . وهذا واضح أن الاستفهام بـ(أين) لا يكون الاستفهام عن الذات.
والغريب أن أهل التحريف يقولون: (أين) بمعنى (مَن): من الله، قالت: في السماء يعني: هو من في السماء، ثم ينكرون العلو.
وقد رد عليهم ابن القيم رحمه الله في كتبه ومنها كتاب
النونية، رد عليهم وقال: يا سبحان الله! هذه مغالطة، اللغة العربية ما تأتي (أين) بمعنى (مَن) أبدًا، وفرق بين (مَن) وبين (أين).
إذن نقول: الله تعالى في جهة لكن ليست جهة سفل؛ لوجوب العلو له عقلًا وسمعًا وفطرةً، وليست جهة علو تحيط به؛ لأن الله تعالى وسِع كرسيه السماوات والأرض وهو موضع قدميه، فكيف يحيط بالله تعالى شيء من مخلوقاته!
إذن هي جهة علو لا تحيط به، ولا يمكن أن يقال: إن شيئًا يحيط به لأننا نقول: إن ما فوق العرش عدم، ما فيه شيء، إلا الله سبحانه وتعالى، وحينئذ لا يحيط به شيء من مخلوقاته أبدًا، ولهذا قال:
«وَاللهُ فَوْقَ ذَلِكَ».
ومع هذا –مع علوه عز وجل هذا العلو العظيم- لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم. واعلم أن كلمة (أعمال) إن قُرنت بالأقوال صارت الأعمال أعمال الجوارح، وإن أطلقت شملت أعمال الجوارح وأقوال اللسان وأعمال القلوب. فقوله:
«مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ» يشمل ما يتعلق بالقلب وباللسان وبالجوارح، كلها تُسمَّى عملًا. بل أعظم من ذلك لا يخفى عليه شيء مما يكون لبني آدم في المستقبل، فضلًا عن الأمر الذي وقع منهم، بل يعلم عز وجل ما يكون على عباده في مستقبل أحوالهم.
الدليل قوله تعالى:
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [البقرة: ٢٥٥] ما بين أيديهم: كل ما يستقبلونه، وما خلفهم: كل ما مضى عليهم، فهو عالم به سبحانه وتعالى، لا يخفى عليه شيء منه.
ولهذا قال فرعون لموسى:
فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى [طه: ٥١] ما شأنها؟
قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍمحفوظة مضبوطة
لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [طه: ٥٢] لا يضل: لا يجهل، ولا ينسى: عما مضى، لا يذهل عما مضى، ولا يجهل ما يُستقبل سبحانه وتعالى.
إذن فالله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم.
لماذا قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، وصدره بلفظ (هل) الدالة على التشويق والتنبيه؟
من أجل أن يثبت عقيدة عظيمة؛ أن الله تعالى فوق كل شيء بذاته، وأنه سبحانه وتعالى محيط بكل شيء في علمه؛ لقوله:
«وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ». فإذا علمنا ذلك أوجب لنا تعظيمه والحذر من مخالفته؛ إذا علمنا أنه فوقنا سبحانه وتعالى، ومن كان فوقك فهو عالٍ عليك، إذا جاءك الأمر من فوق ما عاد تتمكن، تكون محاطًا بك.
ومع ذلك فإننا نحذر من كونه سبحانه وتعالى يعلم أعمالنا، ولا يخفى عليه شيء منها.
فإن قلت: في الحديث صفتان لله عز وجل؛ ثبوتية وسلبية، فما هي الثبوتية؟ العلو، إثبات منا إحنا، لكن العلو هي صفته، إثبات العلو ما يستقيم، العلو هي صفته، والإثبات منا نحن نعتقد. طيب والسلبية: ليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم، هذه سلبية.
وقد مر علينا كثيرًا بأنه لا يوجد في صفات الله عز وجل صفة سلبية محضة، بل صفاته السلبية يعني اللي هي النفي متضمنة لمعنى كامل، يعني نُفي عنه ذلك لكمال علمه، نُفي عنه اللغوب لكمال قوته، نفي عنه العجز لكمال قدرته، نفي عنه أن يخفى عنه شيء في الأرض ولا في السماء لكمال علمه. فحينئذ يكون انتفاء هذه الصفات عنه لا لأنه غير قابل لها من حيث الأصل، أو من حيث العقل، يعني ممكن أن يلحق هذه الصفات عجز، لكن باعتبارها مضافة إلى الخالق كل قدرة من حيث هي قدرة يمكن أن يلحقها عجز، لكن باعتبار إضافتها إلى الخالق لا يمكن، لا عقلًا ولا سمعًا أن يلحقها شيء من النقص، ولهذا إذا نفى الله عن نفسه شيئًا من الصفات فالمراد انتفاء تلك الصفة عنه لكمال ضدها.
لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥] السنة: النعاس، والنوم: الإغفاء العميق، لماذا؟ لكمال حياته وقيوميته؛ لأنه لو كان ناقص الحياة لاحتاج إلى النوم، ولو كان ينام ما كان قيومًا على خلقه؛ لأن اللي ينام معناه أن الرعية الذين تحته يلعبون كما يشاءون. لو فرضنا أن عليكم مشرفًا هنا في المسجد، (...) اصحَ تترك المراجعة، ترى إن تركتَ المراجعة أعاقبك. فتوسد الوسادة ونام، تستطيع تترك المراجعة ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ لأن صاحبنا نام، قيامه علينا ما هو جيد، فلكمال حياة الله عز وجل وقيوميته لا تأخذه سنة ولا نوم، ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون في الجنة لكمال حياتهم، ولأن النوم في الجنة يضيع عليك وقتًا بلا فرح، وبلا سرور، وبلا لذة، والسرور فيها دائم، فلهذا ليس فيها نوم، ولأن النوم أخو الموت، بل هو الوفاة الصغرى، والجنة ليس فيها موت.
والحاصل أن كل صفة لله عز وجل منفية فالمراد إثبات كمال ضدها، أو فالمراد لإثبات أو لثبوت كمال ضدها.
وليس هناك نفي محض في صفات الله، لماذا؟ لأن النفي المحض عدم، وليس فيه ثناء، وليس فيه كمال؛ لأن النفي المحض عدم، والعدم لا شيء، فضلا عن أن يكون كمالًا.
ولأن النفي أحيانًا يرِد لكون المحل غير قابل له، كما لو قلت: إن هذا الجدار لا يبصر، أو لا يظلم، لماذا نفيت عنه الظلم والبصر؟ لأنه غير قابل، هو قابل أن يبصر؟ طيب لو حطيتله عيونًا ما يبصر، (...) من جنسه.
طيب ويظلم؟ الجدار يظلم؟
طالب: لا.
الشيخ: أبدًا؟ طيب رجل استند إلى جدار فسقط عليه الجدار.
طالب: يستحق ما جرى له، الجدار ما له (...).
الشيخ: فإذا نفيت الظلم عن الجدار أو الصمم أو العمى ما هو لكماله؛ لكن لأنه غير قابل لذلك، غير قابل لأن يكون سميعًا أو بصيرًا أو ظالمًا.
وقد يكون النفي للذم، يعني تنفي عن إنسان صفة ذم تذمه بذلك، يمكن؟ يمكن، وعليه قول الشاعر:
| قُبَيِّلَةٌ لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ | وَلا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ |
هو يمدحهم ولا يذمهم؟
طلبة: يذمهم.
الشيخ: والله غريب، أذواقكم الليلة فيها نظر. يقول: (لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ) اللي ما يغدر بالعهد يُحمَد ولَّا يُذم؟ (وَلا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ)؟
طالب: لا يستطيعون لضعفهم.
الشيخ: لضعفهم، إذن هذا مدح ولا ذم؟ ذم.
طالب: صغَّر قبيلة.
الشيخ: قُبيلة قد تكون للتمليح، قال الرسول لابن عباس رضي الله عنهما، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، قال:
«يَا غُلَيِّمُ» تمليحًا، وقال ابن القيم وهو يصف سماع أهل الجنة:
| واهًا لِذَيَّاكَ السَّمَاعِ وَلَمْ أَقُلْ |
ذَيَّاكَ تَصغيرًا له بِلِسَانِ |
ثم يجيئنا رجل آخر يقول:
| لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ | لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ في شَيْءٍ وَإِنْ هَانَ |
يذمهم ولا يمدحهم؟
اسمع المدح:
| يَجْزُونَ مِن ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً | وَمِن إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا |
طالب: من ضعفهم.
الشيخ: من ضعفهم.
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذن لا يمكن يوجد في صفة الله نفي محض، لماذا؟ لأن النفي المحض عدمٌ محض ليس بشيء، ولأن النفي قد يراد به الذم، ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية الشيء له، فلا يكون مدحًا.
طيب قوله تعالى في الحديث القدسي:
«إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا» . هذا لكمال عدله، وإلا فهو قادر على أن يظلم، لو شاء لعذب المطيع، ولكنه سبحانه وتعالى لا يفعل ذلك لكمال عدله، ولهذا قال:
«إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي»، وتحريم الشيء يدل على إمكانه، لولا أنه سبحانه وتعالى حرمه على نفسه.
المهم انتبهوا لهذه القاعدة: أنه لا يوجد في صفات الله نفي محض؛ للأوجه الثلاثة التي ذكرناها؛ لأن النفي المحض عدم محض، ولأن النفي قد يكون للذم، ولأن النفي قد يكون لعدم قابلية الموضع له.
***
طالب:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ٦٧].الشيخ: وقد تقدم من حديث ابن مسعود كيف فسرها النبي عليه الصلاة والسلام بتقريره ما ذكره الحبر اليهودي.
الطالب: الثانية: أن هذه العلوم وأمثالَها باقية عند اليهود الذين في زمنه صلى الله عليه وسلم، لم ينكروها ولم يتأولوها.
الشيخ: رحمه الله. كأنه يقول: إن اليهود خير من أولئك المحرفين، لم ينكروها: ما كذبوا بها، ولم يتأولوها، وجاء قوم من هذه الأمة وقالوا: ليس لله أصابع، والمراد بالأصابع القدرة، فكأن الشيخ محمد رحمه الله شيخ الإسلام يقول: اليهود صاروا خيرًا من هؤلاء وأعرف بالله من هؤلاء.
الطالب: الثالثة: أن الحبر لما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم صدَّقه، ونزل القرآن بتقرير ذلك.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف:
(ونزل القرآن) أنه بعد قول الحبر، وليس الأمر كذلك؛ لأنه يقول في حديث ابن مسعود: وقرأ قول الله تعالى. لكن مراد الشيخ: وأن القرآن قد نزل بتقرير ذلك.
الطالب: الرابعة: وقوع الضحك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم.
الشيخ: الله أكبر! ففيه دليل على جواز الضحك في تقرير الأشياء؛ لأن الضحك يدل على الرضا والانبساط وعدم الكراهية، والإنسان إذا ذُكر له ما يسره ضحك وصار تبرق أسارير وجهه، بخلاف إذا ذُكر له ما يغضبه. ولو كان ضحكه إنكارًا لذلك لكان يقول مثلما قال له الرجل: إنا نستشفع بالله عليك، فجعل يسبح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه
.
الطالب: الخامسة: التصريح بذكر اليدين، وأن السماوات في اليد اليمنى، والأرضين في الأخرى.
الشيخ: وقد جاء ذلك في القرآن في عدة مواضع؛ إثبات اليدين، وسبق لنا القول في الجمع بين الوجوه التي وردت عليها هذه الصفة: التثنية والجمع والإفراد.
وقول المؤلف رحمه الله:
(والأرضين في) اليد
(الأخرى) لا يعني أنه ينفي ذكر الشمال؛ لأنه ذكر بالتي بعدها قال:
الطالب: السادسة: التصريح بتسميتها الشمال.
الشيخ: مرت علينا هذه.
الطالب: السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك.
الشيخ: ووجه ذكرهم عند ذلك أنه إذا كان لهم تجبر وتكبر الآن فليقولوا ذلك؛ تحديًا لهم، أين جبروتهم وأين تكبرهم؟
الطالب: الثامنة: قوله:
كَخَرْدَلَةٍ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ .
الشيخ: ويش الفائدة من هذا؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، وصحة إطلاق الكف على يد الله عز وجل.
الطالب: التاسعة: عظم الكرسي بالنسبة إلى السماء.
العاشرة: عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي.
الحادية عشرة: أن العرش غيرُ الكرسي والماء.الشيخ: ما رأيت أحدًا قال: إن العرش هو الماء، لكن فيه من قال: إن العرش هو الكرسي، واستدلوا لذلك بحديث جاء في ذكر الشفاعة،
أن الله تعالى يضع كرسيَّه يوم القيامة وظنوا أن هذا الكرسي هو العرش ولكنه ليس إياه. وكذلك زعم بعض الناس أن الكرسي هو العلم، فقالوا في قوله تعالى:
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥]: أي: وسع علمه، ولكن هذا ليس بصحيح، الصواب أن الكرسي موضع قدميه، وأن العرش هو الذي استوى عليه الله سبحانه وتعالى.
الطالب: الثانية عشرة: كم بين كل سماء إلى سماء.
الثالثة عشرة: كم بين السماء السابعة والكرسي.
الرابعة عشرة: كم بين الكرسي والماء.
الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء.
السادسة عشرة: أن الله فوق العرش.
السابعة عشرة: كم بين السماء والأرض.
الثامنة عشرة: كثف كل سماء خمس مِئة سنة.
التاسعة عشرة: أن البحر الذي فوق السماوات بين أسفله وأعلاه خمس مِئة سنة.
والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ: فيه أيضًا لو أتى بها المؤلف: العشرون: أن الله تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم، لكن إما أنها ساقطة، لا أدري والله، (...) أثبتها في قوله:
«إنَّ اللهَ فَوقَ ذَلِكَ» .
طيب ما يمكن نقول: في الحديث التحذير من مخالفة الله عز وجل؟ لكن كأن المؤلف رحمه الله أراد أن يركز على ما يتعلق بالتوحيد والعقيدة. والله أعلم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، ونسأل الله أن يختم لنا ولكم بالتوحيد.
طالب: الشارح (...) ذكر رواية عن الإمام أحمد وصرح (...) سبحانه وتعالى:
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر: ٦٧] (...) رواه البخاري ومسلم والنسائي.
الشيخ: لا، المعروف أن الرسول تلاها، وأنها من قبل.
الطالب: (...).
الشيخ: والله نحتاج أن نتحقق من الرواية ونشوف لفظها.
طالب: قلنا يا شيخ: فوق العرش عدم.
الشيخ: لأن ما فوق العرش عدم.
الطالب: هل الأفضل أن نقول: ليس فوق الله شيء؟
الشيخ: لا، ما هو بليس فوق الله شيء. يعني ما فوق العرش شيء من المخلوقات أبدًا.
الطالب: عدم، لأن فوق العرش عدمًا.
الشيخ: إي، ما فيه شيء من المخلوقات. الله ما يحتاج استثناء؛ لأن الله ليس من المخلوقات. ليس فوق العرش إلا الله.
طالب: الرواية اللي ذكرها (...) يقول:
مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس فقال: كيف تقول يا أبا القاسمِ يوم يجعلُ اللهُ السماواتِ على ذِهْ، وأشارَ بالسَّبَّابة، والأرضَ على ذِهْ. كلَّ ذلك يُشِير بإصبعه .
الشيخ: اليهودي قال: على ذه يعني كناية عن الإصبع، وإلا معلوم أن الله ما هو بجاعله على ذه اللي هي إصبع اليهودي.
الطالب: أقصد يعني قد يتبادر للذهن أن الله..
الشيخ: التمثيل يعني، لا، المقصود تحقيق هذا، للتحقيق؛ لأن الرسول عرف مراده، يعني على ذه بمعنى على إصبع.
الطالب: ما نهاه أن يصور بهذه الصورة.
الشيخ: لا ما نهاه، لأن المقصود بها التحقيق.
طالب: أيهما قبل: العرش أم الماء؟
الشيخ: الله أعلم. في القرآن:
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود: ٧] لكن والله ما أعرف أيهما خلق أولًا.
الطالب: لكن هل نقول: إن الماء أيضا قبل القلم على القول بأن العرش قبل القلم؟
وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِفإذا قلنا بأن العرش قبل القلم.
الشيخ: إي، هو الظاهر. الظاهر أن العرش قبل القلم، العرش و(...) قبل القلم.
طالب: (...) يجوز أن الواحد (...).
الشيخ: والله أنا في نفسي من هذا شيء، وقد قلت لكم: إن هذه الأشياء التي وردت يجوز الاقتصار على ما ورد فقط، وبشرط ألا يخشى محظور.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، وكما مر:
يهزهن ، و
جعل الرسول يهز بيده . لكن قلت لكم: ما ورد به الإشارة فلا مانع من الإشارة ما لم يُخشَ المحظور. إن خُشي المحظور بحيث إن يمثل هذا أمام العامة يُخشى من أن يقع في نفسهم شيء.
طالب: قوله تعالى:
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [التوبة: ١٠٥]، في الحديث عن النبي: عرضت علي أعمال أمتي صغيرها وكبيرها (...) إشكال؟
الشيخ: ما فيها إشكال.
الطالب: الجواب عن الحديث؟
الشيخ: الجواب عن هذا الحديث إذا صح فهذا قد عُرض وتم، أما اللي ما عُمل ما عُمل.
الشيخ: ثم العمل ترى غير العامل، العمل غير العامل، يعني معناه أن كل الأعمال عُرضت عليه وبينت له حتى القذاة تخرجها من المسجد، وليس المعنى العامل.
الطالب: (...).
الشيخ: فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ[التوبة: ١٠٥] و(سيرى) هذه للمستقبل ولا للماضي؟ للمستقبل، الرسول ما يمكن يراها، لكن عُرض على الرسول الأعمال، يعني مثلًا قيل له: الصلاة عمل صالح تثاب عليه الأمة، أو الوضوء عمل صالح تثاب عليه الأمة، وهكذا.
الطالب: (...).
الشيخ: حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، لكن ما هو بعمل الإنسان نفسه، يعني مثلًا أنا إذا أخذت القذاة من المسجد ما تُعرض على الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن عُرض عليه أن هذا العمل مما يقرب إلى الله وينفع الأمة.